ينقل الكاتب ضياء صالِح، المدير التنفيذي بالإنابة لمنظمة الإغاثة الإسلامية في بريطانيا، صورة قاتمة من العاصمة السودانية الخرطوم بعد زيارته الأولى منذ اندلاع الحرب. ويؤكد أن حجم الدمار الذي شاهده يفوق ما يدركه العالم بكثير، إذ بدت المدينة شبه خالية بعدما كانت تضم نحو سبعة ملايين نسمة، بينما غطت آثار القصف والرصاص معظم المباني والأحياء.


وأشار موقع الجزيرة إلى أن الحرب في السودان لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى كارثة إنسانية مركبة تجمع بين الجوع والأوبئة والانهيار الاقتصادي والنزوح الجماعي، وسط ضعف الاهتمام الدولي وتعثر الجهود السياسية لإنهاء الصراع.


الخرطوم تتحول إلى مدينة منكوبة


يوضح المقال أن البنية التحتية في السودان انهارت بصورة واسعة، ما صعّب حصر أعداد الضحايا بدقة. ورغم تسجيل أكثر من 58 ألف قتيل رسميًا، تشير تقديرات أخرى إلى احتمال ارتفاع العدد إلى 150 ألف قتيل، في ظل استمرار القتال وتعطل مؤسسات الدولة والخدمات الأساسية.


ويؤكد الكاتب أن المدنيين لا يموتون بسبب الرصاص فقط، بل بسبب المجاعة والأمراض أيضًا. فقد انتشرت أوبئة الكوليرا والتهاب الكبد الفيروسي والحمى الصفراء والتهاب السحايا في مناطق متعددة، بينما يواجه نحو 29 مليون سوداني نقصًا حادًا في الغذاء، ما جعل السودان يعيش أكبر أزمة جوع في العالم حاليًا.


كما لعبت المطابخ المجتمعية التي يديرها متطوعون دورًا محوريًا في مواجهة المجاعة، لكن نقص التمويل والإمدادات دفع نحو 42 بالمئة منها إلى الإغلاق خلال الأشهر الستة الأخيرة، بحسب دراسة أجرتها منظمة الإغاثة الإسلامية.


ويضيف المقال أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران فاقمت الأزمة السودانية، بعدما أدت اضطرابات سلاسل الإمداد إلى ارتفاع أسعار الغذاء والوقود بصورة حادة، ما دفع مزيدًا من الأسر إلى حافة الجوع.


دارفور وكردفان بين الحصار والنزوح


يرصد الكاتب استمرار المآسي في إقليمي دارفور وكردفان، حيث يفر السكان من هجمات الطائرات المسيّرة والقصف الذي يستهدف المستشفيات والمدارس والقرى وقوافل المساعدات الإنسانية. كما تعيش مدن كاملة تحت الحصار، بينما تواصل الجماعات المسلحة إحراق القرى وتشريد سكانها.


ورغم تراجع القتال نسبيًا في الخرطوم وبعض مناطق شرق السودان، فإن الأوضاع الإنسانية ما زالت شديدة القسوة. فقد عاد نحو 1.3 مليون شخص إلى العاصمة ليجدوا مدينة مدمرة تعاني من نقص الغذاء وغياب فرص العمل وانهيار الخدمات الأساسية.


ويشير المقال إلى خروج نحو 200 مدرسة عن الخدمة في الخرطوم وحدها، إما بسبب الدمار أو استخدامها كملاجئ للنازحين، ما حرم آلاف الأطفال من العودة إلى التعليم. كما تعاني المستشفيات من النهب ونقص المعدات والأدوية، بينما لا تصل الكهرباء إلا لساعات محدودة يوميًا.


ويستعرض الكاتب قصصًا إنسانية مؤلمة التقاها خلال الزيارة، بينها سيدة تُدعى عائشة فقدت أربعة من أبنائها خلال الحرب، واضطرت إلى حمل أحفادها والسير لأيام حتى وصلت إلى مخيم للنازحين في مدينة القضارف شرق السودان.


غياب الحل السياسي يهدد مستقبل السودان


يحذر المقال من أن استمرار الحرب قد يدفع السودان نحو الانقسام، خاصة مع تصاعد القتال في عدة ولايات وتكرار الهجمات بالطائرات المسيّرة على الخرطوم. كما يشعر كثير من السودانيين بالخوف من انهيار التحسن الأمني الهش في العاصمة وعودة المواجهات بوتيرة أكبر.


ويرى الكاتب أن المجتمع الدولي أخفق حتى الآن في تحقيق اختراق سياسي حقيقي، رغم الاجتماعات والمؤتمرات الدولية التي ناقشت الأزمة السودانية خلال الأشهر الماضية. فالمساعدات الإنسانية لا تزال محدودة مقارنة بحجم الكارثة، بينما تتدفق موارد خارجية تغذي الحرب بدل دعم جهود السلام.


ويؤكد أن السودانيين الذين التقاهم لا يطالبون سوى بوقف الحرب والعودة إلى منازلهم والعيش بكرامة وأمان، لكن استمرار الصراع وتعثر المسار الدبلوماسي يجعلان هذه المطالب البسيطة بعيدة المنال حتى الآن.


ويختتم المقال بالتشديد على ضرورة تحرك الحكومات والمنظمات الدولية بصورة عاجلة لدعم وقف إطلاق النار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ومساندة المبادرات المحلية التي تحاول إنقاذ ما تبقى من المجتمع السوداني، قبل أن تتحول الأزمة إلى انهيار كامل يصعب احتواؤه.

 

https://www.aljazeera.com/opinions/2026/5/12/the-crisis-is-sudan-is-much-worse-than-what-is-acknowledged